وكالة مهر للانباء: أكدت شبكة «i24» الإسرائيلية في تقرير حديث لها فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها على مختلف الجبهات، في انعكاس واضح لحالة القلق المتصاعدة داخل الأوساط السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية. فالحرب التي انطلقت عقب عملية «طوفان الأقصى» تحت شعار «تغيير وجه الشرق الأوسط» لم تنجح في تحقيق أهدافها المعلنة، بل أدخلت إسرائيل في سلسلة من الأزمات الأمنية والسياسية والاستراتيجية التي لم تكن قائمة بهذا الحجم قبل اندلاعها.
عقب أحداث السابع من أكتوبر، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما جرى بأنه نقطة تحول تاريخية، متعهداً بالقضاء على حركة حماس، واستعادة جميع الأسرى، وإعادة ترميم قوة الردع الإسرائيلية. وفي ذلك الوقت، ساد الاعتقاد لدى العديد من المسؤولين في تل أبيب بأن الحرب ستمنح إسرائيل فرصة لإعادة صياغة المعادلات الإقليمية وإضعاف محور المقاومة بصورة حاسمة. غير أن تطورات الميدان أثبتت أن تحقيق هذه الأهداف كان أكثر تعقيداً مما تصورته التقديرات الأولية.
وكانت غزة أولى ساحات الإخفاق. فعلى الرغم من أشهر طويلة من القصف المكثف والعمليات البرية الواسعة، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في القضاء الكامل على حركة حماس. ورغم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع وتدمير أجزاء واسعة من بنيته التحتية، فإن بنية المقاومة الفلسطينية لم تنهَر، وظلت قادرة على مواصلة نشاطها وإعادة تنظيم صفوفها. وبذلك تحولت الحرب من عملية سريعة إلى مواجهة استنزاف طويلة الأمد، تتزايد كلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية يوماً بعد يوم.
كما تحوّلت قضية الأسرى إلى واحدة من أكثر الأزمات الداخلية تعقيداً بالنسبة لحكومة نتنياهو. فقد اتهمت عائلات الأسرى الحكومة مراراً بتقديم الحسابات السياسية والعسكرية على سلامة أبنائها، فيما كشفت الاحتجاجات الواسعة في تل أبيب ومدن أخرى عن تنامي حالة السخط الشعبي تجاه إدارة الملف. ويرى عدد كبير من المحللين الإسرائيليين أن العجز عن إعادة جميع الأسرى شكّل أحد أبرز مؤشرات الفشل في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب.
اقتصادياً، خلّفت الحرب آثاراً كبيرة على إسرائيل. فالنفقات العسكرية الضخمة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، والانكماش في بعض القطاعات الاقتصادية، وانخفاض عائدات السياحة، كلها عوامل فرضت ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد الإسرائيلي. كما أدى استدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط إلى تعطيل قطاعات إنتاجية واسعة. وحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار هذا الوضع قد يترك تداعيات طويلة المدى على معدلات النمو ويهدد بعض المكاسب الاقتصادية التي تحققت خلال السنوات الماضية.
ولم تقتصر الأزمة على جبهة غزة. ففي الشمال، جاءت التطورات على خلاف ما كانت تأمله تل أبيب. فبدلاً من فرض واقع أمني جديد على الحدود اللبنانية، تحولت الجبهة الشمالية إلى أحد أكبر مصادر القلق الأمني لإسرائيل. وقد أدت أشهر من المواجهات والتوترات إلى إخلاء عشرات الآلاف من المستوطنين من المناطق الحدودية، فيما تحولت مستوطنات عديدة إلى مناطق شبه خالية من السكان.
ورغم المحاولات الإسرائيلية لتغيير المعادلة عبر الضربات الجوية المكثفة والعمليات العسكرية المختلفة، فإنها لم تتمكن من إعادة الشعور بالأمن إلى سكان الشمال. وأثار ذلك تساؤلات متزايدة حول مدى فاعلية الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، إذ يرى العديد من الخبراء أن القوة العسكرية وحدها غير كافية لمعالجة التهديدات الأمنية المركبة والمتعددة الأبعاد.
إقليمياً، لم تسر الأحداث وفق الرؤية التي طرحها نتنياهو. فبدلاً من إضعاف محور المقاومة وإعادة تشكيل ميزان القوى لصالح إسرائيل، شهدت المنطقة مزيداً من التنسيق والتماسك بين أطراف هذا المحور، كما برزت معادلات ردع جديدة فرضت نفسها على المشهد الإقليمي.
وكان التطور الأبرز دخول إسرائيل في مواجهة مباشرة ومعلنة مع إيران، وهي مواجهة كان يُفترض أن تعزز قوة الردع الإسرائيلية، إلا أن نتائجها جاءت مختلفة عما كان مأمولاً. وخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً، إلى جانب المواجهات والتوترات التي شهدتها الأشهر الماضية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، سعت تل أبيب وواشنطن إلى فرض معادلات جديدة عبر توظيف قدراتهما العسكرية والاستخبارية، غير أن النتائج لم تحقق الأهداف المعلنة.
فإيران، وفق العديد من التقديرات، تمكنت من الحفاظ على قدراتها الاستراتيجية، كما نجحت في فرض تكاليف مرتفعة على خصومها من خلال ردودها العسكرية والسياسية. وعلى عكس التوقعات الإسرائيلية، لم تؤدِ المواجهة المباشرة إلى تقليص قوة الردع الإيرانية أو تغيير سلوك طهران الإقليمي، بل أظهرت أن أي حرب مباشرة معها قد تحمل تبعات واسعة وكلفة باهظة على إسرائيل وحتى على الولايات المتحدة.
ولهذا يرى عدد من المحللين أن حصيلة هذه المواجهة تمثلت في تعزيز مستوى الردع الإيراني وتضييق هامش الخيارات العسكرية المتاحة أمام إسرائيل.
والمفارقة أن نتنياهو خاض الحرب بهدف استعادة الردع، إلا أن كثيراً من الخبراء الإسرائيليين يشككون اليوم في مدى نجاحه في تحقيق هذا الهدف. فالردع الحقيقي يعني منع الخصم من المبادرة إلى التحدي أو المواجهة، بينما أظهرت التطورات في غزة ولبنان، فضلاً عن المواجهة المباشرة مع إيران، أن إسرائيل لا تزال تواجه تحديات أمنية متواصلة ومتعددة الجبهات.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الإخفاق في تحقيق الأهداف العسكرية في غزة، والعجز عن فرض استقرار أمني دائم على الحدود اللبنانية، والفشل في تغيير المعادلات الاستراتيجية مع إيران، الأركان الثلاثة للأزمة التي تواجهها إسرائيل اليوم.
أما على الصعيد الداخلي، فقد ازدادت الضغوط على نتنياهو بصورة غير مسبوقة. فالخلافات داخل الائتلاف الحكومي، والانتقادات المتصاعدة من المعارضة، والاحتجاجات الشعبية الواسعة، وتراجع الثقة العامة بالحكومة، كلها انعكاسات مباشرة للحرب وتداعياتها. ويرى معارضو نتنياهو أنه يفتقر إلى رؤية واضحة للخروج من الأزمة، وأن استمرار الحرب بات يستنزف القدرات الداخلية لإسرائيل أكثر مما يخدم مصالحها.
كما تركت الحرب آثاراً عميقة على صورة إسرائيل ومكانتها الدولية. فبالرغم من استمرار دعم بعض الحلفاء الغربيين، شهدت الساحة الدولية تصاعداً غير مسبوق في الانتقادات الموجهة إلى تل أبيب، سواء على المستوى الشعبي أو الحقوقي أو السياسي. كما شهدت جامعات ومؤسسات أكاديمية حول العالم موجة واسعة من التضامن مع القضية الفلسطينية، في مشهد غير مسبوق منذ عقود.
وفي ضوء هذه المعطيات، خلصت حتى بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى وجود فجوة كبيرة بين الأهداف التي أُعلنت مع بداية الحرب والنتائج التي تحققت على أرض الواقع. فنتنياهو وعد بإعادة الأمن، لكن إسرائيل تواجه اليوم تحديات متزامنة في غزة ولبنان وعلى المستوى الإقليمي. وتعهد بالقضاء على حماس، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق. كما وعد بإعادة جميع الأسرى، غير أن هذا الملف لا يزال مفتوحاً. أما الحديث عن استعادة الردع، فقد اصطدم بواقع أمني أكثر تعقيداً وكلفة مما كان عليه قبل الحرب.
وعليه، يمكن قراءة تقرير شبكة «i24» بوصفه انعكاساً لحقيقة استراتيجية أعمق؛ وهي أن إسرائيل لا تواجه اليوم انتكاسة عسكرية عابرة على جبهة محددة، بل تعيش أزمة متعددة الأبعاد امتدت من غزة إلى الحدود اللبنانية، وأثرت في التوازنات الإقليمية، ثم انعكست على المجتمع الإسرائيلي وبنيته السياسية الداخلية.
ومن هذا المنظور، لا يتمثل التحدي الأكبر أمام تل أبيب في استمرار المواجهات العسكرية فحسب، بل في اتساع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية للحرب. وكلما اتسعت هذه الفجوة، تصاعدت التساؤلات بشأن جدوى الاستراتيجيات الأمنية والسياسية التي تتبناها إسرائيل، ما يجعلها أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث، وهي مرحلة قد تترك آثاراً بعيدة المدى على مستقبل التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة بأسرها.

تعليقك